حسن الأمين
67
مستدركات أعيان الشيعة
محاولة القضاء على الدولة في مهدها إذا كان ما ذكره النهروالي هو تعبير عما كان يعتلج في قلوب الآخرين من قيام الدولة الشيعية ، وهو كلام مجرد كلام ، فان السلطان سليم قد صمم على أن يحيل هذا الكلام إلى فعل ، فالتفجع لوقوع هذا الحدث الخطير لا يعني شيئا في حين أن المطلوب هو العمل المجدي الذي يحول دون استفحال أمر هذه الدولة ، ثم القضاء عليها في مهدها . وهذا ما صمم عليه السلطان سليم وقرر تنفيذه . ويقول صاحب كتاب ( تاريخ العرب الحديث ) في الصفحة 16 ما يلي : « دخل إسماعيل مدينة تبريز عام 908 ( 1502 م ) حيث أعلن نفسه ملكا وحاميا للمذهب الشيعي الذي جعله المذهب الرسمي للبلاد » إلى أن يقول بعد أن يردد ويخترع ما يردده ويخترعه من اتهامات هي وليدة النقمة على قيام الدولة الجديدة ليس إلا ، وإن كنت لا تعجب من نقمة الماضين ، فإنك لتعجب وتأسف أن يكون لأساتذة الجامعات ومؤلفي التاريخ الحديث في هذا العصر نفس الذهنية التي كانت للنهروالي وأمثاله قبل قرون وقرون . يقول صاحب تاريخ العرب الحديث متابعا كلامه السابق : « وشعر المسؤولون في إستانبول بعظم الخطر الجديد ، فأجبر سليم أباه المسالم بايزيد الثاني على التنازل عن العرش ، وأهمل سليم جبهة البلقان وركز اهتمامه بشؤون دار الإسلام » . لقد رأى - بل رأوا - الخطر في قيام دولة شيعية تكف الأذى عن الشيعة ، وليس الخطر - بل عظم الخطر - ، ولم ير - بل لم يروا - عظم الخطر في صليبية البلقانيين بل رأوه في إسلام الصفويين . فأهمل سليم جبهة البلقان وركز اهتمامه بشؤون دار الإسلام ، على حد تعبير صاحب تاريخ العرب الحديث . ولنعد الآن إلى بقية حديث النهروالي المعاصر للأحداث . يقول النهروالي متحدثا عن السلطان سليم : « فلما وصلت أخباره ( الشاه إسماعيل ) إلى السلطان سليم خان تحركت فيه قوة العصبية ، وأقدم على نصرة السنة الشريفة السنية ، وعد هذا القتال من أعظم الجهاد ، وقصد أن يمحو من العالم هذه الفتنة وهذا الفساد ، وينصر مذهب أهل السنة الحنيفية على مذهب أهل البدع والإلحاد ، ويأبى الله إلا ما أراده ، فتهيأ السلطان سليم بخيله ورجله وعساكره المنصورة ورحله وسافر لقتاله ، وأقدم جلاده وجداله ، وهو يجر الخميس العرمرم ويصول بسيف عزمه ويقدم ويتقدم ، إلى أن تلاقى العسكران في قرب تبريز ، ورتب السلطان سليم عسكره ، وتنزل من عند الله الفتح القريب والنصر العزيز ، فتجالد الفريقان بجالدران وتطارد الفرسان وتعانق الشجعان يهدرون كاليخاتي الفوالج فوق البحور الموائج ، وتصادمت فرسان الزحف والصيال ، تصادم أطواد الجبال ، وصارت نجوم الأبطال رجوم البطش والقتال ، فزلزلت الأرض زلزالها ، وأخرجت الأهوال أثقالها ، وحيلت المعركة سماء غمامها والقسطل ، وصواعقها بروق البيض من بريق الصيقل ، ورعودها صليل السيوف في أعتاق الجحفل ، وغيوثها صبيب الدم من أوداج رؤوس تحز وتفصل ، وأحجار المدافع كجلمود صخر حطه السيل من عل ، إلى أن طارت قلوب الأعداء هواء وذهبت قواهم هباء ، وولوا على أدبارهم إدبارا ، وانهزم شاه إسماعيل وولى فرارا ، ولم يجد له من دون الله أنصارا » . هذا هو الوصف المجلجل الذي خطه قلم النهروالي لمعركة جالديران ولا عجب في ذلك وهو يتحدث بلسان المنتصرين . وإذا قارناه بالوصف المتقدم للمعركة بقلم مؤرخ الصفويين نرى كم كان هذا الأخير مجمجما متلجلجا يريد أن يخلق من الضعف قوة ، ولا عجب فهو ينطق بلسان المنهزمين . المنتصرون لا الانتصار العسكري فحسب بل الانتصار العقائدي المذهبي الذي يرى في الآخرين ضلالا ، وفي قيام دولتهم الهول كل الهول ! . . والمنهزمون لا الانهزام العسكري فحسب بل انهزام الحلم الجميل الذي عاشوه قرونا وقرونا حتى إذا تحقق رأوه يكاد ينطوي في طيات الزمن ! . . وقد كان يمكن أن تكون معركة جالديران حاسمة بكل معاني الحسم ، وأن تقضي على الدولة الصفوية ، القضاء المبرم ، ولكنها لم تكن كذلك ، بل مرت مرورا عابرا عاودت بعده الدولة الجديدة مسيرتها المظفرة ، فكان لا انهزاما ضاريا أصابها ، ولا انتصارا كاسحا ناله عليها أعداؤها ، فالجيش تمزق في جالديران ، والعاصمة احتلت ، وأصبحت البلاد كلها عرضة للاحتلال والاغتصاب دون مدافع ولا ذائد ولا مانع . فإذا بإسماعيل ينهض من بين الأنقاض وينفض عنه غبار الهزيمة ويعاود النصر بعد النصر حتى يصل إلى بغداد والموصل والبصرة ! . . أما السبب في ذلك فيحدثنا عنه النهروالي : ولكننا قبل أن ننقل وصف ما جرى بعد الهزيمة لا بد لنا من أن ننقل الجملة التي ختم بها النهروالي وصفه للمعركة حيث قال : « فوطئت حوافر خيله ( السلطان سليم ) أرض تبريز فنهى فيها وأمر ، وقتل من أراد وأسر ، وأعطى الرعية تمام الأمن والأمان ، ونشر فيها أعلام أهل الايمان » . ولا يبالي النهروالي بان يقع في التناقض ما دام قد شفى غيظه بهزيمة الشاه إسماعيل ، فكيف يجتمع الأمن والأمان مع القتل والأسر . والمهم في هذا الكلام هو قوله : « ونشر فيها ( تبريز ) أعلام أهل الايمان » فأعلام الصفويين أعلام أهل الكفر ، وأعلام العثمانيين أعلام أهل الايمان ! . . بهذه الذهنية التي ليست هي ذهنية النهروالي وحده - بهذه الذهنية تخلى السلطان سليم عن مقارعة صليبية البلقانيين ونهد إلى مقارعة إسلام الصفويين ! . . والتناقض الذي يقع فيه النهروالي والذي أشرنا إليه من قبل ليس هو التناقض الوحيد . بل إن النهروالي الذي زعم فيما تقدم من القول أن الشاه إسماعيل قتل العلماء حتى لم يبق منهم أحد ، يقول الآن إن السلطان سليم حين رحل رحيله عن تبريز : « أخذ منها من أراد من الفضلاء الأفاضل ، والمتميزين في الصنائع والفضائل ، والشعراء الأماثل وساقهم إلى إسطنبول » . إذن فتبريز كانت مملوءة بالفضلاء الأفاضل والشعراء الأماثل ، وإذن فان الشاه إسماعيل لم يقتلهم ! . .